عمر السهروردي

7

عوارف المعارف

ذلك ، فإنه لا يعبر عن التصوف تعبيرا دقيقا ، على أن هؤلاء الذين ذكروا التعاريف الأخلاقية للتصوف ، ذكروا هم أنفسهم تعاريف أخرى . وذلك - على الأقل - يدل دلالة لا لبس فيها على أنهم : لم يروا كفاية الجانب الأخلاقي في تحديد التصوف وتعريفه . على أنه من الطبيعي : أن تكون الأخلاق الكريمة ، أساسا من أسسس التصوف ، وأن تكون الأخلاق في أسمى صورة من صورها ثمرة للتصوف . ومن الطبيعيأيضا أن تكون الأخلاق الكريمة شعار الصوفي فيما بين الأساس والثمرة . فالأخلاق إذن ملازمة للتصوف والصوفي ، ملازمة تامة ، لا تتخلى عنه ، ولا يتخلى عنها . ولكنه ليس معنى ذلك أنها هي التصوف . والباحث في التصوف ومعانيه يجد أن هناك اتجاه أكثر شيوعا من تعريف التصوف بالأخلاق . وهو تعريف التصوف بالزهد . وحينما يسمع كثير من الناس كلمة التصوف يفهم منها معنى " الزهد " ولا يفهم من كلمة " صوفي " إلا الزاهد في الدنيا . ويعد الصوفي التعلق بالدنيا رأس كل خطيئة ، وترك الدنيا ينبوعا لكل خير . والزهاد ثلاث طبقات . الطبقة الأولى : المبتدئون . وهم أولئك الزهاد الذين قصرت يدهم عن الدنيا ، وخلا قلبهم من طمع الدنيا مثل أيديهم . سئل الجنيد : ما الزهد ؟ فقال : خلو اليد من ملك الدنيا ، وخلو القلب من الطمع . الطبقة الثانية : وهم المتحققون في الزهد الذين هم مصداق قول رويم بن أحمد حيث يقول : " الزهد هو ترك حظوظ النفس من كل ما في الدنيا " ذلك لأن في الزهد لذة نفسية . بمعنى أن الزهد يسبب راحة الخاطر ، واستراحة الضمير . كما يجلب المدح ، وإعجاب الناس بالنسبة للزاهد ، ويجعله عزيزا محترما في نظرهم . فالزهد الواقعي بحسب ما يراه رويم يتحقق عندما يترك القلب كل لذة . الطبقة الثالثة : طبقة الزهاد الخواص . الذين رموا كل شيء وراءهم ظهريا ، قال ذو النون المصري : الزهاد ملوك الآخرة ، والعرفاء هم ملوك الزهاد . وقال أيضا : آية حب اللّه . هي أن يترك العبد كل ما يشغله عنه تعالى حتى يبقى هو شغل اللّه فقط .